جان لوئيس بوركهارت
306
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الطلب . وحين كنت بسواكن في بيت الجابى التركي أكلت خبزا صنع من الذرة التاكية فلم يكن خبز القمح يفضله إلا قليلا . وتباع ذرة التاكة في سوق جدة بثمن يزيد 20 % على الذرة المصرية ، وفي ظني أن أهل التاكة لا يزرعون من المحاصيل غير الذرة ، اللهم إلا قليلا من البامية واللوبيا ، ولهم شغف عظيم بالبصل ، وقد أصبح ضربا من العملة يتعاملون به مع تجار سواكن ، ولكن أحدا لم يحاول زرعه في التاكة . وشهرة التاكة بالماشية لا تقل عن شهرتها بالذرة ، فهي تملك منها القطعان الكثيرة . وأبقارها على الأخص طيبة ، وهي ذات سنام كأبقار وادى النيل ، ويتعامل بها الناس كما يتعاملون في دارفور وكردفان . وكان ثمن البقرة الكبيرة السمينة أربعة مقاطع دمور ، أو ستة وتسعين مدا من الذرة ، أي ما يساوى أردبين تقريبا أو ثلاثين بوشلا . وثمن البعير القوى يزيد ربع هذا . على أنني لم أر فيها من الماشية إلا قليلا لأن الفصل كان آخر فصول العام ، وهو الذي يسبق الفصل المطير مباشرة وتكون الأرض فيه جافة جرداء ، وكان القوم قد أرسلوا قطعانهم من شهور إلى الصحراء الشرقية جريا على عادتهم كل سنة ، وهناك نرعى الماشية في الجبال والوديان الخصبة ، ويتوفر لها الماء في العيون . فإذا انقضى الفيضان عادوا بها إلى السهول . ويتهافت الناس على إبل التاكة لأنهم يعتقدون أن أغصان السنط الغضة التي تأكلها في الغابات تعطيها من الشدة والقوة ما لا يتاح لغيرها من الإبل التي تطعم غير هذا الغذاء . ويأخذ القوم جلد عنق الجمل الطويل بعد أن يخيطوه من جنب ويتركوه من جنبه الآخر فيستعمل غرائر يحملون فيها غلتهم في السفر ، وشكل الغرائر ملائم جدا للتحميل . ولولا الوحوش الضارية التي تأوى إلى الغابات وتفترس الكثير من الماشية لزاد عددها زيادة كبيرة . وأهم هذه الضوارى الأسد ، وكذلك النمر فيما يقولون ، ولكني لا أحسب نمرهم إلا فهدا . على أن بصرى لم يقع قط على هذه الوحوش ، إلا أنني كنت أسمع زئيرها كل ليلة . وفي المساء تساق الغنم التي ترعى على مقربة من المخيم إلى ساحته الكائنة في قلب الدوار ، وتسدّ الثغرات المفتوحة في السياج الشوكي الذي وصفته بكوم من الشوك . ولا يجرؤ أحد على